مجد الدين ابن الأثير
435
المختار من مناقب الأخيار
خيش ، وربّما كنت أراه يأكل خبز حوّارى « 1 » ، فقلت في نفسي : واللّه لأقولنّ لهذا : نحن الليلة في ضيافتك . فقلت له ، فقال : نعم ، وكرامة . فلمّا جاء وقت العشاء جعلت أراعيه ولم أر معه شيئا ، فمسح يده على سارية فوقع على يده شيء ، فناولني ، فإذا درهمان لا تشبه الدّراهم ، فاشترينا خبزا وأدما ، فلمّا مضى لذلك مدّة جئت إليه وسلّمت عليه ، وقلت : إنّي ما زلت أراعيك تلك الليلة ، وأنا أحبّ أن تعرّفني بما وصلت إلى ذلك ؟ فإن كان يبلغ به أحد بعمل فعرّفني « 2 » ؟ فقال : يا أبا سعيد ، ما هو إلّا حرف واحد . قلت : ما هو ؟ قال : تخرج قدر الخلق من قلبك تصل إلى حاجتك « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال بنان المصريّ : كنت بمكّة قاعدا ، وشابّ بين يدي فجاءه إنسان ، وحمل إليه كيسا فيه دراهم ، فوضعه بين يديه ، فقال : لا حاجة لي فيه . فقال : فرّقه على المساكين . ففرّقه . فلمّا كان العشاء رأيته في الوادي يطلب شيئا لنفسه ، فقلت : لو تركت لنفسك ممّا كان معك شيئا . فقال : لم أعلم أنّي أعيش إلى هذا الوقت « 4 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *
--> ( 1 ) الحوّارى : الدقيق المنقّى ، وهو لباب الدقيق وأخلصه . معجم متن اللغة ( حور ) . ( 2 ) في ( أ ) : « فحدثني » . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 272 . ( 4 ) صفة الصفوة 2 / 273 .